ابراهيم بن عمر البقاعي
369
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الصواب ، ربما اقتضى أن يسأل في تعجيل ما طلبوا ، وربما أوقع في ظن أن إعراضهم والابتلاء بهم ربما كان لشيء في البلاغ أو المبلغ ، بين تعالى أن عادته الابتلاء للصالحين رفعة لدرجاتهم ، فقال تعالى مسليا ومعزيا ومؤسيا لهذا النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم بمن تقدمه من إخوانه الأنبياء والمرسلين ، مذكرا له بما قاسوا من الشدائد وما لاقوا من المحن ، وحاثا على العمل بأعمالهم آمرا بالتأني والتؤدة والحلم ، ومحذرا من العجلة والتبرم والضجر ، وبدأ بأهل الشرف لأن السياق لشرف القرآن الذي يلزم منه شرف صاحبه ، تعريفا بأنه لا يلزم من الشرف الراحة في الدنيا ، ومنبها على أن شرفه محوج عن قرب بكثرة الأتباع إلى الحكم بين ذوي الخصومات والنزاع الذي لا قوام له إلا بالحلم والأناة والصبر ، وبدأ من أهل الشرف بمن كان أول أمره مثل أول أمر هذا النبي الكريم في استضعاف قومه له وآخر أمره ملكا ثابت الأركان مهيب السلطان ، ليكون حاله مثلا له فيحصل به تمام التسلية : اصْبِرْ وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال : عَلى ما وزاد في الحث عليه بالمضارع فقال : يَقُولُونَ أي يجددون قوله في كل حين من الأقوال المنكية الموجعة المبكية ، فإنه ليس لنقص فيك ، ولكنه لحكم تجل عن الوصف ، مدارها زيادة شرفك ورفعة درجاتك ، وصرف الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء ما يذكر من التسخير لذلك : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أي الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا ، وأبدل منه أو بينه بقوله : داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي القوى العظيمة في تخليص نفسه من علائق الأجسام ، فكانت قوته في ذلك سببا لعروجه إلى المراتب العظام . ولما كان أعظم الجهاد الإنقاذ من حفائر الهفوات وأوامر الشهوات ، بالإصعاد في مدارج الكمالات ، ومعارج الإقبال ، وكان ذلك لا يكاد يوجد في الآدميين لما حفوا به من الشهوات وركز في طباعهم من الغفلات ، علل قوته بقوله مؤكدا : إِنَّهُ أَوَّابٌ * أي رجاع إلى اللّه تعالى ليصير إلى ما خلقه عليه من أحسن تقويم بالعقل المحض أطلق العلو درجة درجة على الرجوع ، لأن ذلك دون الرتبة التي تكون نهاية عند الموت ، فكان المقضي له بها أنزل نفسه عنها ، ثم صار يرجع إليها كل لحظة بما يكابد من المجاهدات والمنازلات والمحاولات حتى وصل إليها بعد التجرد عن الهوى كله . ولما كان الإنسان لا يزال يتقرب إلى اللّه تعالى حتى يحبه فإذا أحبه صار يفعل به سبحانه ، وظهرت على يديه الخوارق ، قال مستأنفا جوابا لمن سأل عن جزائه على ذلك الجهاد ، مؤكدا له لما طبع عليه البشر من إنكار الخوارق لتقيده بالمألوفات : إِنَّا أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء سَخَّرْنَا الْجِبالَ أي التي هي أقسى من قلوب قومك فإنها أعظم الأراضي صلابة وقوة وعلوا ورفعة ، بأن جعلناها منقادة ذلولا كالجمل